عالم بحر

قبل أن تُكتب الرسائل... كانت هناك حكايات.

في الخامسة من عمري، عام 1994. التُقطت هذه الصورة في رحلة عائلية إلى بستان مشمش. لم يبقَ في ذاكرتي من ذلك اليوم إلا القليل... أما الصورة، فكانت أوفى من الذاكرة.
يُقال — والعهدة على الراوي — إن في رؤوسنا مكانًا للمنطق والحساب، وآخر للخيال والحكايات.
عرفت أن الأول لا يُعوَّل عليه عندي بعد أول حصة رياضيات.
واحتجت سنواتٍ طويلة لأفهم أن لجدتي يدًا في ازدهار الآخر.
فقد روت لي عن الجنيات، والأمراء، وقطاع الطرق، والساحرات...
وأشياء أخرى لا أعرف، إلى اليوم، من أين أتت بها.
على أي حال... أهلًا بك في عالم بحر.
كبرت، وتوقفت جدتي عن رواية الحكايات.
لكن الحياة لم تتوقف عن ذلك.
وضعتني في مواقف لم أخطط لها،
وجمعتني بأناس لم أكن أعرف أنني سأذكرهم بعد سنوات،
وأقحمتني في تجارب تمنيت، وقتها، لو لم أعشها.
لم أفهم الأمر إلا لاحقًا.
كانت الحياة تزرع.
حكاية هنا.
نظرة هناك.
جملة قالها أحدهم ثم نسيـها.
ابتسامة لم تكتمل.
دمعة هربت في الوقت الخطأ.
وضحكة صاخبة ما زلت أسمع صداها حتى اليوم.
ربما لهذا أصبحت مهووسًا بالتفاصيل.
بتلك الأشياء الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد.
تراكمت طويلًا.
واليوم، في نادي رسائل بحر، صار لزامًا عليّ أن أحررها.
أن أحرر الحكايا.
والوجوه.
والذكريات.
وكل تلك الأشياء التي ظننت أنني نسيتها.
لكنها، على ما يبدو، لم تنسني.
وليس كل ما تراكم في رأسي كان قصصاً.
بل فيه ما احتجت سنواتٍ حتى أفهمه.
ومنه ما ظننته نجاحًا،ثم اكتشفت أن له ثمنًا كنت أدفعه دون أن أدري.
وبعضه أشياء تمنيت لو أن أحدًا أخبرني عنها قبل أن أصل إليها.
وليالٍ طويلة قضيتها أبحث عن إجابة... ولم أجد إلا مزيدًا من الأسئلة.
لهذا أكتب الرسائل.
لأشارك فيها خلاصة ما تعلّمته، وتجارب مررت بها، وأفكارًا ظلّت ترافقني طويلًا... على أمل أن يجد أحدٌ فيها ما كنت أتمنى لو وجدته أنا يومًا.
نادي رسائل بحر ليس نادي قصص.
القصص فقط... طريقتي في أن أقول ما أريد قوله.